حقوق الأكراد في مرمى الحرب الإيرانية.. ملف يطفو على سطح التوترات الإقليمية

حقوق الأكراد في مرمى الحرب الإيرانية.. ملف يطفو على سطح التوترات الإقليمية
مقاتلون أكراد

عادت قضية حقوق الأكراد إلى الواجهة في ظل التوترات المتجددة بين طهران وخصومها الإقليميين، وتداخل ملف الأكراد مع ما تصفه مصادر استخباراتية وتقارير إعلامية بـ"حملة عسكرية" تستهدف توسيع نفوذ واشنطن وإسرائيل ضد إيران، وتشير مصادر متعددة إلى تواصل مشاورات بين فصائل كردية إيرانية مسلحة والولايات المتحدة حول إمكان مهاجمة مواقع قوات الأمن الإيرانية في غرب البلاد، وسط تصاعد التوتر الأمني في المنطقة.

تاريخ من التهميش والهوية المنقسمة

تُعدّ القضية الكردية واحدة من أقدم ملفات القومية غير المحكومة بالدولة في الشرق الأوسط، إذ تُرك الأكراد بلا وطن رسمي بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، ووفق معاهدات تاريخية، كان الأكراد ضمن شعوب وُعدوا بالاستقلال في معاهدة سيفر عام 1920، إلا أن تلك الوعود ألغيت بعد تدخل مصطفى كمال أتاتورك وانتصاره في الحرب التركية، لتفرض معاهدة لوزان عام 1924 تقسيم الأكراد بين تركيا والعراق وإيران وسوريا.

الأكراد في إيران.. أقلية تواجه التمييز والاضطرابات

يشكل الأكراد نحو 10% من سكان إيران التي يقطنون خاصة في المناطق الجبلية بشمال غربي البلاد وفق تقديرات الأمم المتحدة. 

وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن الأكراد في إيران يتعرضون لتمييز بنيوي في مجالات عديدة، بما في ذلك اللغة والتعليم والعمل والتمثيل السياسي، وهو ما تنفيه طهران رسميًا. 

وتشير تقارير حقوقية إلى أن المناطق الكردية كانت من بين أكثر المناطق تأثرًا بالاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في أواخر ديسمبر 2025 وأدت إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى في أنحاء البلاد.

من الاحتجاجات الداخلية إلى القتال المسلح

شهدت محافظة كُردستان الإيرانية وغيرها من المناطق ذات الأغلبية الكردية أعمال عنف متكررة على خلفية احتجاجات شعبية وعمليات مسلحة، في وقت تصاعدت فيه مطالبات بعض الفصائل الكردية بالعمل على تجاوز الحدود وتأمين دعم خارجي للمواجهة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن اشتباكات بين هذه الفصائل المسلحة وقوات الأمن الإيرانية خلفت مئات الضحايا المدنيين والمقاتلين في الأعوام الأخيرة، بينما تتواصل خسائر السكان في البنى التحتية والخدمات الأساسية في المناطق المتأثرة.

سوريا.. تجربة الإدارة الذاتية والانتكاسة

يشكل الأكراد حوالي 10% من سكان سوريا، وقد واجهوا سياسات تمييزية لعقود، إذ حُرمت أعداد كبيرة منهم من المواطنة ومنع تعليم لغتهم وقُمع النشاط السياسي الكردي حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، ومع تفاقم النزاع، أسست فصائل كردية مثل وحدات حماية الشعب منطقة حكم ذاتي في شمال شرق سوريا بدعم من التحالف الدولي، خاصة في الحرب ضد تنظيم داعش وفق تقارير الأمم المتحدة.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، تعرضت هذه المناطق لضغوط عسكرية وسياسية من الحكومة السورية الجديدة، ما أسفر عن تراجع نفوذ الإدارة الذاتية الكردية نحو مناطق أصغر وعمليات نزوح لسكانها.

تركيا.. صراع طويل ونتائج مأساوية

يعيش نحو 20% من سكان تركيا من أصول كردية في الجنوب الشرقي من البلاد، وهي منطقة شهدت صراعًا طويلًا بين الدولة وحركة حزب العمال الكردستاني التي حملت السلاح منذ 1984 للمطالبة بالحقوق، ثم تحول جزء من أهدافها نحو الحكم الذاتي، وخلف هذا الصراع أكثر من 40 ألف قتيل حتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بحسب تقديرات منظمات دولية.

وظل زعيم الحزب عبد الله أوجلان مسجونًا منذ 1999، بينما افتتحت الدولة التركية في أوائل 2025 عمليات سلام متقطعة معه، وسط تراجع نسبي للقتال مع دعوات لتثبيت الهدنة.

العراق.. الحكم الذاتي ومخاطر المستقبل

في العراق يشكل الأكراد ما بين 15% إلى 20% من السكان، ويعيشون بشكل رئيسي في إقليم كردستان العراق الذي تمتع بحكم ذاتي بعد عام 1991 وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اعترفت الحكومة المركزية في بغداد رسميًا بالحكم الذاتي للإقليم، كما شارك في إدارة موارد النفط وتقاسم الإيرادات.

في 2017، أجري استفتاء على الاستقلال الكردي في الإقليم، لكن رفضه مجلس النواب العراقي وأدى ذلك إلى تصعيد عسكري واقتصادي، بينما استعادت بغداد السيطرة على مناطق مثل كركوك.

التمييز والحقوق الأساسية

تشير تقارير حقوقية موثوقة إلى أن الأقليات الكردية في دول متعددة تواجه تمييزًا في الحقوق الأساسية مثل التعليم والعمل والتمثيل السياسي، ففي تركيا، تشير الدراسات إلى أن نسبة الأميّة بين الأكراد في المناطق الريفية تتجاوز 30%، مقارنة مع معدل وطني أقل بكثير، ما يعكس فجوة كبيرة في فرص التعليم.

وفي إيران، تقول منظمات حقوق الإنسان إن سياسات ثقافية وتعليمية أضرت بمستوى تعليم اللغة الكردية في المدارس، وكانت لها آثار على فرص التوظيف والاندماج الاجتماعي، لكن السلطات الإيرانية تنفي هذه الادعاءات.

القانون الدولي والحقوق القومية

يؤكد القانون الدولي على حق الشعوب الأصلية والأقليات في عدم التمييز، وضمان الحماية القانونية للغات والثقافات والمشاركة السياسية، كما تضمن الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حماية الأقليات.

وتُعد حماية حقوق الأقليات في النزاعات المسلحة والتوترات الداخلية جزءًا لا يتجزأ من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي تلزم الدول بضمان المساواة وعدم التمييز في المعاملة أمام القانون والتعليم والعمل والثقافة وفق الأمم المتحدة.

منظمات حقوق الإنسان تثير القضية

أدانت منظمات حقوقية عالمية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية السياسات التمييزية التي تُمارس بحق الأكراد في أنحاء متعددة من الشرق الأوسط، مشددة على أن حرمان الأقليات من حقوقهم الأساسية يُعد انتهاكًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

كما دعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الدول المعنية إلى حماية حقوق الأقليات ضمن أطر قانونية واضحة، وضمان مشاركتهم السياسية والثقافية واللغوية في المجتمعات التي يعيشون فيها، في محاولة لتقليل التوترات وإيجاد حلول سلمية تستند إلى القانون الدولي.

ترتبط قضية حقوق الأكراد بآثار إنسانية مباشرة تشمل التمييز في فرص العمل والتعليم، وحرمان الجماعات من المشاركة السياسية، وتزايد مشاعر الإقصاء الاجتماعي، ما يؤدي بدوره إلى زيادة النزاع وعدم الاستقرار في المناطق ذات الأغلبية الكردية. كما تسهم النزاعات المسلحة المتفرقة في نزوح المدنيين من قراهم ومدنهم، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية.

سياق إقليمي متشابك

في سياق الحرب الإيرانية المتسارع وتوسع قدرة القوى الإقليمية على التأثير في سياسات دول الجوار، أصبح ملف حقوق الأكراد جزءًا من توازنات هجينة بين كل من طهران وأنقرة وبغداد وواشنطن، ما يجعل حلحلة المطالب الكردية وتحقيق إدماج حقيقي لها في السياسات الوطنية أمرًا معقدًا للغاية.

يظل ملف حقوق الأكراد واحدًا من أبرز ملفات الأقليات في الشرق الأوسط، يندسّ في عمق العلاقات السياسية والأمنية المتشابكة في المنطقة، ويبرز تحديًا إنسانيًا وقانونيًا في الوقت ذاته، وتكشف الأرقام والبيانات أن معالجة هذه القضية بشكل عادل ومتوازن لا يشكل فقط مطلبًا أخلاقيًا للعدالة وحقوق الإنسان، بل ضرورة لضمان الاستقرار والسلام الدائم في المنطقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية